محمد جمال الدين القاسمي
261
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
معناها كآية وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ . . * إلخ . فما ذكر من التأويل مؤيد بهذه الآية ، فتفطّن ولا تكن أسير التقليد . . ! ولما بين تعالى سعة حلمه ، قرنه ببيان قوة عقابه ، ليعتدل الرجاء والخوف ، فقال سبحانه : وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ أي : لمن شاء ، كما قال تعالى : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [ الأنعام : 147 ] ، وقال تعالى : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ الأعراف : 167 ] ، وقال سبحانه : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [ الحجر : 49 - 50 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 7 ] وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ( 7 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم المستعجلون بالسيئة المتقدمون . قال أبو السعود : وإنما عدل عن الإضمار إلى الموصول ، ذمّا لهم ونعيا عليهم كفرهم بآيات اللّه تعالى التي تخر لها صم الجبال ، حيث لم يرفعوا لهم رأسا ولم يعدّوها من جنس الآيات وقالوا عنادا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي : مثل آيات موسى وعيسى عليهما السلام ، أو مثل ما يقترحون من جعل الصفا ذهبا ، أو إزاحة الجبال وجعل مكانها مروجا وأنهارا و إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ أي : مرسل للإنذار والتخويف من سوء عاقبة ما يأتون ويذرون ، وناصح كغيرك من الرسل ، فما عليك إلّا البلاغ ، لا إجابة المقترحات وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أي : نبيّ داع إلى الحق مرشد بالآية التي تناسب زمنه كقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [ فاطر : 24 ] ، تعريض بأنه صلى اللّه عليه وسلم ليس بدعا من الرسل . فقد خلا قبله الهداة الداعون إلى اللّه ، عليهم السلام ؛ أو المعنى : لكل قوم هاد عظيم الشأن ، قادر على هدايتهم ، هو اللّه سبحانه ، فما عليك إلا إنذارهم لا هدايتهم . وإيتاؤهم الإيمان وصدهم عن الجحود . فإن ذلك للّه وحده كقوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] ، أو المعنى : لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قائد يهديهم إلى الرشد . وهو الكتاب المنزل عليهم الداعي بعنوان الهداية إلى ما فيه صلاحهم . يعني : أن سر الإرسال وآيته الفريدة وإنما هو الدعاء إلى الهدى وتبصير سبله ، والإنذار من الاسترسال في مساقط الردى . وقد أنزل عليك من الهدى أحسنه .